سيد قطب
3737
في ظلال القرآن
عليه وسلم - يؤمر بإعلان هذه الحقيقة الكبيرة . . إني لن يجيرني من اللّه أحد ، ولن أجد من دونه ملجأ أو حماية ، إلا أن أبلغ هذا الأمر ، وأؤدي هذه الأمانة ، فهذا هو الملجأ الوحيد ، - وهذه هي الإجارة المأمونة . إن الأمر ليس أمري ، وليس لي فيه شيء إلا التبليغ ، ولا مفر لي من هذا التبليغ . فأنا مطلوب به من اللّه ولن يجيرني منه أحد ، ولن أجد من دونه ملجأ يعصمني ، إلا أن أبلغ وأؤدي ! يا للرهبة ! ويا للروعة ! ويا للجد ! إنها ليست تطوعا يتقدم به صاحب الدعوة . إنما هو التكليف . التكليف الصارم الجازم ، الذي لا مفر من أدائه . فاللّه من ورائه ! وإنها ليست اللذة الذاتية في حمل الهدى والخير للناس . إنما هو الأمر العلوي الذي لا يمكن التلفت عنه ولا التردد فيه ! وهكذا يتبين أمر الدعوة ويتحدد . . إنها تكليف وواجب . وراءه الهول ، ووراءه الجد ، ووراءه الكبير المتعال ! « وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً . حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً » . فهو التهديد الظاهر والملفوف لمن يبلغه هذا الأمر ثم يعصي . بعد التلويح بالجد الصارم في التكليف بذلك البلاغ . وإذا كان المشركون يركنون إلى قوة وإلى عدد ، ويقيسون قوتهم إلى قوة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - والمؤمنين القلائل معه ، فسيعلمون حين يرون ما يوعدون - إما في الدنيا وإما في الآخرة - « مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً » . . وأي الفريقين هو الضعيف المخذول القليل الهزيل ! ونعود إلى مقالة الجن فنجدهم يقولون : « وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً » فنجد التعقيب على القصة يتناسق معها . ونجد القصة تمهد للتعقيب فيجيء في أوانه وموعده المطلوب ! ثم يؤمر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يتجرد وينفض يديه من أمر الغيب أيضا : « قُلْ : إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً » . . إن الدعوة ليست من أمره ، وليس له فيها شيء ، إلا أن يبلغها قياما بالتكليف ، والتجاء بنفسه إلى منطقة الأمان - الذي لا يبلغه إلا أن يبلغ ويؤدي . وإن ما يوعدونه على العصيان والتكذيب هو كذلك من أمر اللّه ، وليس له فيه يد ، ولا يعلم له موعدا . فما يدري أقريب هو أم بعيد يجعل له اللّه أمدا ممتدا . سواء عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة . فكله غيب في علم اللّه ؛ وليس للنبي من أمره شيء ، ولا حتى علم موعده متى يكون ! واللّه - سبحانه - هو المختص بالغيب دون العالمين : « عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً » . . ويقف النبي - صلى اللّه عليه وسلم - متجردا من كل صفة إلا صفة العبودية . فهو عبد اللّه . وهذا وصفه في أعلى درجاته ومقاماته . . ويتجرد التصور الإسلامي من كل شبهة ومن كل غبش . والنبي - صلى اللّه عليه